كلمات

كل يوم أراني ألتحف التراب ، فأقتني بؤسي كما هي الأشياء صامتة ..

الجمعة، 21 أكتوبر 2011

ابْنَ أُخْتِيْ الْقَادِمْ




ابْنَ أُخْتِيْ الْقَادِمْ

يَأْتِيَ مَعَ الْشَّمْسِ .. وَيَأْتِيَ نَبْعُ خَالِكَ الْبَائِسَ ، عَوَاطِفَهُ تَحْتَاجُ إِلَىَ الْشُّعُوْرِ ، إِنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُكَ لِمُدَّةِ سَبْعَ سِنِيْنٍ عِجَافٌ ! نَعَمْ هُوَ نَفْسُ الْوَقْتِ لِلْمِصْرِيِّيْنَ الْلَّذَيْنِ أَصَابَهُمُ الْقَحْطُ لِقِلَّةِ الْأَمْطَارِ خِلَالَ يُوَسُفَ الْنَّبِيِّ إِنِّيَ أَتَسَاءَلُ إِذَا كُنْتُ طِفْلَا أَوْ مَطَرَا ، مُهِمَّا كُنْتُ ، أَرَادَ الْلَّهُ بِأَنْ يَكُوْنَ الْمَاءُ عَوَاطِفِ خَالِكَ الْقَتْلَىَ ، وَالْعَسَلَ ، وَحُرُوْفُ اسْمِكَ فِيْ حُدُوْدِ أَحْلَامِيِ وَ تَكُوْنُ عَيْنَاكَ نَافِذَةَ الْكَائِنَاتِ الْوَحِيدَةْ فِيْ الْعَالَمِ وَتَكُوْنُ لَدَيْكَ حُدُوْدَ الْسَّمَاءِ تِلْكَ الْسِّنِيْنَ الْسَّبْعِ خِلَالَ لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لْتَسْمحُ لِيَ أَنْ أُقَبِّلَ رَغْوَةٌ خَدَّكَ الْجَمِيْلَ وَقَضَيْتَ سَاعَةً لِإِنْشَاءِ الْرِّسَالَةِ لَكِ ، لَا أَعْتَقِدُ بِأَنَّ سَاعَةٍ أَوْ سَبْعٍ سِنِيْنَ سَتَكُوْنُ كَافِيَّةٍ لِأَكْتُبَ لَكِ هَذِه لَيْسَتْ سِوَىْ أُسْطُوْرَةُ الْأَبْجَدِ يِّة .

مِن الْمَاء كَلِمَات


مِن الْمَاء كَلِمَات

وَمَا زَال يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْه ، نَظَر إِلَى سَاعَتَه فَوَجَدَهَا تُشِيْر إِلَى أَوَّل الْوَقْت ، تَوَقَّف مُصَافِحا  مَوَدَّعَا زُمَيْلَة الْأُسْتَاذ عَبْد الْلَّه . وَصَل الْأُسْتَاذ إِلَى مَدْرَسَتِه وَعَلَى الْفَوْر تَوَجُّه إِلَى الْطَّابُور الصَّبَّاحِي و بَعْد انْتِهَاء " أَحْمَد " طَالِب الْصَّف الْثَّالِث ثَانَوِي مِن فَقَرَتْه أَمْسِك بِالْمَيْكْرُفُون وَيَدِه الْخَضْرَاء تُعَانِق الْكَلِمَات الْمَائِيَّة فِي نَشْوَة الْوَلَهَان . مَرَّت الْدَّقَائِق الْمُرْتَجِفَة وَهِي تَنْظُر إِلَى الْأُسْتَاذ بِدَهْشَة عَارِمَة لَمَا جَرَى وَبَقَى يُغَازِل الْأَرْوَاق بِحَنَان أَبَوَي ، يَتَأَمَّل الْنَّظَرَات الْحَزِيِنَة الْمُرْتَسِمَة عَلَى وُجُوْه الْطُّلاب وَالزُّمَلاء وَهُم يَتَجَرَّعُوْن الْحَسْرَة لَوْعَة وَأَلَما . قَد مَضَى عَلَى اعْتِقَال الْأُسْتَاذ مَا يُقَارِب الْشَّهْرَيْن ، بَيْنَمَا تَوَقَّفَت عَقَارِب الْسَّاعَة الَّتِي تَحْتَضِنُهَا غُرْفَتِه الْسَّاكِنَة فِي الْمَنْزِل الَّذِي فَقَدَه وَكَذَا الْأَسِرَّة الَّتِي تَحْمِل فِي أَعْمَاقِهَا شَغَف جَارِف كَجَذْوَة تِلْك الْعَيْنَيْن الْوَاسِعَتَيْن لِلْأَب الْحَانِي وَالْمُعَلِّم الْرَّبَّانِي ، صَاحِب الْفِكْر الْحُر وَالْقَلَم الَّذِي يَنْقُش الْمُسْتَقْبَل الْوَضَّاء فَوْق الْرِّمَال الْنَّارِيَّة . جَلَس الْمُحَقِّق أَمَامَه سَائِلَا إِيَّاه مُعَنِّفا : ـــ مَاذَا تَقْصِد بِهَذِه الْعِبَارَة ؟ أَجَابَه وَعَلَامَات الإِسْتِغُرَاب تَنْبَعِث مِن مُحَيَّاه : ـــ سَيِّدِي إِنَّهَا تَعْنِي ، الْشِّرْذِمَة الْقَذِرَة وَالْحُثَالَة الْبَغِيضَة مِن الْيَهُوْد الْمُتَسَلِّطِين عَلَى شَعْبِنَا الْفِلِسْطِيْنِي . غَضِب الْمُحَقِّق مِن تَبْرِيْرُه، أُنْزِل قَبْضَتُه كَالْبَرْق الْخَاطِف وَصَفَعَه. فَأَوْقَعَه أَرْضَا وَالْدِّمَاء تَسِيْل مِن ثَغْرِه. ـــ بَل أَنْت تَكْذِب، إِنَّمَا تَقْصِد كَذَا وَكَذَا. ـــ مِن أَيْن أَتَيْت بِهَذَا الْتَّفْسِيْر ؟ . إِن الْنَّاس يَتَنَاقَلُوْن كَلَامُك وَيَذَّكَّرُوْن مَا قُلْتُه لَك. تُفَاجَأ الْأُسْتَاذ بِهَذِه الْعَقْلِيَّة الْطُّفُوْلِيَّة فِي الْحُصُوْل عَلَى الْأَدِلَّة فَصَمَت لَعَل الْصَّمْت يَكُوْن أَخَف وَطْأَة عَلَيْه مِن الْخَوْض فِي هَذِه الْمُنَاقَشَة الْعَقْيِمَة . هَكَذَا تَقْتُل كُل نَسَمَة إِبْدَاعِيَّة فِي وَطَنِنَا الْعَرَبِي فَقَد أُحِيْل إِلَى الْعَمَل فِي قِسْم الْأَرْشِيف بِرَاتب زَهِيْد لَا يُسَد رَمَق عِيَالِه، خَسِرَت الْمَدْرَسَة رَجُلا ذَا فِكْر وَاع يَعْمَل لَيْل نَهَار لِبِنَاء مُسْتَقْبَل مُشْرِق مِن خِلَال تَعْلِيْم طِلَابِه كُل مَا هُو مُفِيْد وَجَمِيْل، يَرْقَى بِعَقْلِيَّة الْأَفْرَاد لِمَا هُو خَيْر لَهُم . وَفِي يَوْم الِاثْنَيْن أَفَرِّج عَنْه . فَاسْتَقْبَلَتْه الْأَسِرَّة بِالْدُّمُوْع والزَغَاريد . تُوَجَّه الْطُّلاب وَالزُّمَلاء إِلَى مَنْزِلِه لِلْسَّلام عَلَيْه وَتَجْدِيْد الْعَهْد لِلْمُضِي عَلَى نَهْجِه . بَادَرَه أَحَد الْزُّمَلاء سَائِلَا : يَا أُسْتَاذ عَلِي هَل أَنْت نَادِم عَلَى مَا كَتَبْت ؟ فَأَجَابَه وَالْبَسْمَة تَمْلَئ شَفَتَيْه : طَبْعَا ، لَا وَلَو عَاد الْزَّمَن بِنَا إِلَى الْوَرَاء لَكَتَبْت مَا هُو أَفْضَل وَأَقْوَى . وَضَع يَدَه فِي جَيْبِه وَسَلَّمَه مَقْطُوعَة نَثْرِيَّة كَتَبَهَا فِي الْسِّجْن لِيَقْرَأَهَا أَمَام الْحَاضِرِيْن فَانْبَرَى مُتَفَوِّها : مِن الْمَاء ... .كَلِمَات رِمَالِك الْصَفْرَاء قَطَرَات مَاء بَارِد، تُعَانِق الْمَوْتَى يَوْمَا بَعْد يَوْم، تُوْحِي لِلْشَفَق الْأَحْمَر فِي شَفَتَيْك نَسِيْم الْغَرَام، مِن نَافُوْرَة الْحَنَان الْمُهَاجِر،تَرْقُص الْأَلْحَان عَبْر رُفَاتَه وَتُدَاعِب الْسَّمَاء بَحْرَا أَزْرَق الْلَّوْن أَم سِحْرَا مِن عَيْنَيْك أَم لَوْن الْجَرِيْح الْمُلْقَى عِنْد بَوَّابَة الْإِبْدَاع ، دِمَاءَه تَخْبُو بَيْن شَفَتَيْك كَرِيْشَة حَمْرَاء مَازَالَت تَصَبُّغ الْوَرْد وَالْأَشْوَاك ، الْبَسْمَة وَالْأَحْزَان ، دَقَائِق الْشَّوْق ذَابَت وَالْخَفَقَان مَسْرَح يُدَاعِب الْأَدْوَار وَأَنْت تُبْقِي خَيَال ، يَرَاك فِي الْطَّعَام ، يَرَاك فِي الْشَّرَاب ، يَرَاك وَلَكِن لَا يَدْرِي أَيْن يَرَاك إِلَا أَنَّه يَرَاك ، أَتَذْكُرِيْن فِي الْجَامِعَة عِنْد تِلْك الْشَّجَرَة ، دُمُوعِك تَتَرَقْرَق فِي أَرْوَاق عَيْن تُحَاكِي تُدَغْدِغ مَا بَقِى مِن أَمَل فِي الْحَدِيْقَة الْحَزِيِنَة ، لَحَظَات يُحِس فِيْهَا الْإِنْسَان أَنَّه إِنْسَان وَلَه فِي هَذِه الْقَرْيَة كَيْان ، آَه مَا أَحْلَاك وَمَا أَحْلَى نَظَرَاتِك الْجَمِيْلَة ، نَظَرَات تُحَمِّل فِي طَيَّاتِهَا أَلَم الَفَرُاق فِي عَالَم تَقْتُل فِيْه الْكَلِمَة وَيُمَزِّق فِيْه الْشُّعُوْر كَأَنَّنَا نَعِيْش فِي الْلَّت شُعُور ، مَصْلُوْبَة أَفْكَار مِن خَّفَرُوَا الْتَارِيْخ فِي الْلَّت شُعُور ، مُدْمِية أَنَامِل الْشَوْق جِرْجَا فِي الْلَّت شُعُور ، مُكَهْرِبَة أَسْوَار قَرْيَتِنَا فِي الْلَّت شُعُور ، كَأَنَّك تَرَيِن فِي صَدَفَاتِهَا امْرَأَة بَيْضَاء نَاعِمَة تَتَمَشَّى بَيْن خُيُوْط الْشَّمْس مِن حِيْن إِلَى حِيْن ... أَنْهَى زَمِيْلُه قِرَاءَتِهَا وَعُيُوْنُه تَنْظُر إِلَى الْأُسْتَاذ عَلَي وَهُو يُغَادِر الْحُضُوْر مُيمّما صَوْب الْحَدِيقَة ، يَنْظُر إِلَى الْأَمَام بِشُمُوْخ وَكِبْرِيَاء مُطْلَقا ابْتِسَامَة عَرِيْضَة .








ولدي


ولدي

وصل " فادي " إلى منزل صديقه محمد ، يحمل بين ذراعيه بعض أوراق ..
استقبله بحرارة أخوية ..
_ أهلاً .
_  أهلاً بك .
بزغت الألحان البنفسجية عبر الشفق الأحمر تنقش الذكريات .
كلما تجلت النظرة المتعمقة للأحداث نرى ذلك الطيف الحزين ذو الوجنتين الناعستين ، رموشها تروي قصة " فادي " التي عرفت تفاصيلها كل القرية .
عندما نبحروا في كلمة " إنسان " تتقاذفنا التفاسير من هنا وهناك . هذه الكلمة التي فقدت معناها وسط متاهات واقعنا المعاصر المسمى بعصر التكنولوجيا والبزنز .
واقع لا إنساني ،  كل يهرول فاتحاً باعه بشراسة يلتهم الأخضر واليابس حتى لو كان ذلك على حساب كرامة الآخرين .
إنه نموذج استعراضي يحكي للأجيال بصورة مبسطة الظلم الذي جرى عليه .
واجه الأمرين بانفصال والديه ، إنه وحيد أمه .
تجلد في دراسته إلى أن بلغ المرحلة الجامعية متوكلاً على الله ثم ما قامت به أمه من جهود تحسب لها كأم مثالية ، مضحية من الطراز الأول .
في اللحظات الأخيرة تحقق الحلم ومنى الله على هذه الأسرة المسكينة بنجاح ابنها بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف .
غردت العصافير فوق الشجرة المطلة على الشرفة الموازية لغرفتها تقاسمها الفرحة .
دفعت الشباك بقوة أحست من خلاله أن الحياة قد ولدت من جديد .
تدحرجت الدموع زغاريد من الريحان .
وقف متأملاً ... .
كيف يلقي نظراته بوجه تلك الأم الحزينة ،  فجأة :
فتح الباب ... .
انقضت عليه تحتضنه بولع إلهي .
_ حبيبي ، سنادي ، ألف مبروك .
استغرب متسائلاً :
_ من الذي أخبرك يا أماه ؟ .
_ لا أحد ، إنما هو قلبي ، تعال إلى صدري يا ولدي ، الحمد لله الذي عوض صبري خيراً بك .
_ الحمد لله ، أنت الخير والبركة ، هذا بفضل رعايتك لي .
تشربت كلماته بعبرة مصبوغة بالألم وهي تبتسم .
قدم أوراقه إلى إدارة التربية والتعليم فأخبروه بموعد استلام الوظيفة .
خرج والفرحة مخنوقة بشفتيه ناظراً إلى السماء بعينين نصفها
شحوب .
_ أينك أبي ..؟
بعد شهر جلس في المقعد المخصص له بمدرسة دمشق الثانوية وباشر عمله بمهنة هي من أشرف المهن .
تعرف على الزملاء والزميلات بخجل ظاهره الفرح وباطنه لهيب الدقائق .
بين همهمات التبريك والضحك رجع محدقاً في اللاشيء مقعراً حاجبيه كعادته ،  نوبات تأتي بين حين والحين بلا إرادة منه .
هذه الذبذبات الانفعالية تنهش بجسمه كل جميل فأصبح يعالجها بالإنكباب على العمل وتنشيط ذهنه بالتفكير خصوصاً إنه كاتب يقضي جل وقته في تأليف القصائد وبعض الألوان الأدبية الأخرى .
لم يشعر بها رغم هذه العلامات المشفرة التي تبعثها .
ذات هزيع من اللحظة اكتسب فادي محبة زملائه و زميلاته .
وئام تلك الفتاة البشوشة تنجذب إليه بقوة غرامية ،  تسبح عبر وجنتيه الساحرتين بهيام جاهلي .
حملت قدميها بأريحية خضراء الجسد .
_   أستاذ فادي :
_ إننا قد عزمنا الذهاب برحلة إلى اللاذقية وأنت مدعو ،  ما رأيك .؟
_ آسف لا أستطيع .
_ عذراً  لماذا .؟
_ إنها الظروف .
_ حسناً ربما يكون هذا تطفلاً ولكن هل لي معرفتها طبعاً إذا لم يكن لديك مانع .
_ العفو أستاذة وئام لا أستطيع .
    تركته بخفقات مرتجفة .
تسمر في مكانه معاتباً يلوم نفسه .
_ آه  لقد قسوت عليها بغير ذنب الويل لي .
أحس بشغف عارم يجتاح داخله القرمزي ، وئام  تشغل تفكيره ..
بعد وجبة الإفطار توجه مبكراً إلى المدرسة عله يلاقيها فينقض على الكلمات ينتزع من شفتيها أحلى الأنغام فيقدمها صلاة في محرابها الباكي .
تسمر في مكانه عندما أخبره الأستاذ ناجي بأنها لم تأتي إلى المدرسة اليوم وذلك بسب وعكة صحية ألمت بها ..
حدق هناك خلف الشجرة يستمد من جمالها الإصرار وفعلاً قرر زيارتها في منزلها مهما تكن النتائج ..
طُرق الباب بأنامل خجولة ، أشرقت امرأة عجوز .
_ السلام عليكم .
_ عليكم السلام .
_ كيف الحال عمة .
_ الحمد لله يا ولدي .
_ هل الأستاذة وئام موجودة .
_ نعم تفضل .
رفح خطواته يتأمل بخشوع ، إنه منزل من الطراز القديم موحش كأنه مرتع تسكنه الخفافيش ، خيوط من الظلام .
وقعت شظايا النظرات ، أشارت بإصبعها .
_ اقترب أستاذ فادي ، أهلاً وسهلا .
_ هل أنت بخير ؟
_ الحمد لله ، الآن فقط صرت بخير .
غفا متردداً ، كل الحروف تجمدت عبر شفتيه .
كوثر ، هيام ،  يسطر الألحان ، انبرى يحدق في شمعدان عينيها كاتباً.

مشكلة
مشكلتي
أنك حبي
حياتي
بعض كأسي
معتقة الشذى
لمي
زجاج القلب من قلبي

مشكلتي
بحر
مزدحم الألغاز
وأنا بين الماء أداعب نهدك كل مساء

مشكلتي
أني في الحب كما الطفل
ينمو
بين الثدي
ينمو
بين الأحضان
تمحورت ، تألقت طرباً ، مزيج من دقات الهوى .
أقبل العروسان تزفهم زغاريد القرية .
نعمة ، روح مشرقة بأسارير إيمانية تناجي الله .
الكل ينظر إلى أم فادي بذهول مفعم بالفرحة .
إن الله عوضها خيراً على صبرها ، قاتل الله زوجها ، الظالم ، الجبان ، لم يكفيه طلاقها بل سلب كل أموالها ورماها ترتع في كوخ من الألم والحسرة .
أحبت عمتها حباً تملكها مما رسم البهجة بثغر زوجها .
مرت الأيام تزرع في ترابها " الحب " .
كانت وئام من المدينة لذا لم تسمع بما حدث .
كلما سألته عن سبب شروده المتكرر احمر وجهه فتهرب متظاهرة بالإنشغال .
خرجت من غرفتها حانية الرأس تشير إلى وئام .
_ حبيبتي إن في عينيك سؤالاً يداهمك ، أليس كذلك ؟
_ أجل عمتي .
_ اتبعيني .
_ حسناً .
كنا أسرة متفاهمة تعلوها الأريحية ، الحب ، التعاون ، ومما زاد نشوتنا للحياة هو فادي فقد رزقنا الله به بعد صبر طويل ، حتى ...
_ حتى ماذا عمتي ؟.
تناولت نفساً عميقاً ذو دخان قاتم من الوجع .
_ توفى والدي فجأة وترك لي إرثاً كبيراً ، إنه يملك معظم أراضي القرية ، بعدها صرت وحيدة لا أملك في الدنيا إلا زوجي وولدي فقررت كتابة كل شيء باسم زوجي ليدير الأملاك لأني لا أعرف شيئاً عن التجارة .
تغير ذات ليلة وضحاها ، حاولت معرفة السبب وفك تلك الطلاسم الغامضة حينها داهمني الخبر فقد تزوج من ابنة أحد التجار في المدينة ، سقط فادي من يدي على الأرض صارخاً فصرخت .
أخذ كل شيء بلا رحمة ولا إنسانية فعقدت العزم على تربية فادي راكلة حزني وهمي وراء ظهري متوكلة على الله .
وئام تنظر بدهشة ، جسمها يرتعد ... .
_ عبر ليلة مظلمة ، موحشة ، دق الباب فهرعت ... ، جاء يسرق فلذة كبدي ، أملي في الحياة مانعت فإذا به يقذفني بعيداً برجله .
دخل رجل غريب ، ملامحه قبيحة ، حدثه بكلمات لا أكاد أسمعها ثم رمقني بشراسة شهوية وانقض علي و... .
قضبت حاجبيها مستغربة ، دمعها يجري ... .
_ هاهاها ، وا ماذا ؟
_ اغتصبني ، هاهاها .
_ الله اكبر ، الله اكبر ، لعنه الله ، لعنه الله .
_ حبيبتي ، فادي كان مختبئاً وقد رأى كل شيئ .
_ ماذا ؟!
_ أجل ، ألا ترينه يشرد أحياناً ووجهه يحمر .
_ أجل ، ولا أعرف السبب ؟
_ إنه يتذكر فتمر الصورة بخياله بين الحين والحين  كابوساً لا يتركه .
ذهبت وئام مثقلة بالجراح ، تسبح في اللاشعور ، تمازج الواقع والخيال بعقلها وهي تتمتم : هل يعقل هذا ؟
وصل إلى المستشفى يحمله الأمل  فوجد أمه واقفةً عند باب غرفة العمليات .
-        ها أمي ما هي الأخبار ؟ .
-        إن شاء الله خير يا ولدي .
-        خرج الدكتور فأسرع نحوه متسائلا : بشر يا دكتور
-        طأطأ و جنتيه ، خفق فؤاده .
-        لقد رزقت طفلا جميلا .
-        الحمد لله و لكن أخبرني عن زوجتي .
-        البقية قي حياتك .
-        تقعر في مكانه من شدة الصدمة و دموعه تنهمر كشلال لا يهدأ ، بكاء في السكون .
وضع يده فوق خدها ينادي :
-        حبيبتي إلى أين تذهبين و تتركيني و حدي .
ربت الدكتور على كتفيه مواسيا .
-        هيا بنا يا فادي .
خرج معه فأعطاه رسالة .
-        ما هذا ؟! .
-        رسالة كتبتها بحبر من الأسى و طلبت مني تسليمها لك بعد الولادة ، يبدو أنها أحست بدنو الأجل يرحمها الله .
عند الشجرة بدأ يقرأ .
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى من كان لي زوجاً وفياً يحبني كما أحبه ، يا من قضيت أجمل أيام حياتي معه ، إليك حبيبي  هذه الكلمات من قلب أتعبه ما رأى  وسمع .
كنت أفكر في شرودك الدائم ، تأخذني الآهات من مستنقع إلى مستنقع إلى أن جاءت اللحظة فعرفت كل شيء ، أوصيك بنفسك و بأمك خيراً خيراً وإذا رزقنا الله ولداً فأتمنى أن تربيه تربية صالحة
فيها كل معاني الجمال الإنساني فهذه نبضات قلبي تستأنس بالموت و القدوم على رب كريم .
ملاحظة : أحبك .
ثلاث سنوات هي أحمد ، أجلسه بحضنه يتأمل صورتها ، أحمد تلمسها بيديه ، حمل الصورة  و علقها مكانها ، أمسك يده ، ذهبا يتمشيان في هنيئة ، وطأت الخطوات الشاطئ ، جلس واضعاً أحمد على فخذه الأيمن مداعباً خديه بحنان كستنائي و هو ينظر إلى الشفق ، ترآت ملامحها بثوب ملائكي و هي تبتسم فيبادرها بابتسامة عريضة متفوهاً :
ولدي










مطلقة ولكن


مطلقة ولكن
   
قطرات من الندى كانت في حضنهم تورق الحياة لوناً من اللوز ينساب ابتهالات من العشق دافئة اللحظة .
أريج .. فستان طفولة مطرز بالنور والجمال الإلهي بين سراج العشيقين بريشة خضراء قد نسجت حياتهم بكل عذوبة وطراوة عسلية ، رغم تلك العفونة القاسية التي تحول النور إلى ظلام ، الحب إلى انتقام ، إنه أب لا يستحق الأبوة ، رجل بعيد كل البعد عن الإنسانية و ... .
لم يكن راضياً عن اختيار ابنه لزوجة المستقبل ورفيقة الدرب وذلك بدون أي مبرر ، فقط يريد أن يخضع حياة ولده لعقليته الدكتاتورية ، ربما يشعره ذلك بالكمال ، إنه من فرط إحساسنا بالنقص نلتمس الكمال من الآخرين .
أصر محمد التمسك بحبه ، إنها ابنة خالته ريم ، أنثى من الطراز النادر وجوده خصوصاً في مجتمعنا
(
القطيف ) الذي فقد طهارته المائية .
ذات وجع حيث كانت ريم حامل وأريج تلهو وتلعب عبر أحضانها تسرب إلى سمعها صراخه بوجهه طالباً منه أن يطلق .. .
ارتجفت أصابعها العاج مكسورة الخاطر بورد من الخد كأنه برقع غجري الصحراء .
أجل .. حين نكون تعساء ندرك تعاستنا .. ولكن عندما نكون سعداء لا نعي ذاك إلا في ما بعد .. إن السعادة اكتشاف متأخر . أحلام مستغانمي
تنفست الصعداء حينما رفض بقوة فكرة الطلاق معللاً أنه يحبها ولا يحتمل فراقها أبداً .
ثمة قلق انتابها كنذير شؤم لما تخبأه الأيام ... .
سحائب صخرية الأنفاس تجبرها على الجلوس في شقتها وعدم الاتصال بأهلها أياً كان السبب ، هو نبض قلب يسرب الإرهاق لجسدها الذابل فتتلوى ألماً ، حاولت الاتصال بخالتها ولكن دون جدوى من وصال ، حقاً إن الأرواح كلما تآلفت صارت قريبة من بعضها البعض يشعر الكل بالكل ... .
سقطت على الأرض فاقدة الوعي ، صرخت أريج وهي تمسح على وجه أمها والدموع لؤلؤ متناثر كليلة من ليالي شكسبير ، براءة الطفولة تعانق شعرها ما ما ما ، برقت عيناها وأمسكت بالجوال واتصلت بعمها
(
الدكتاتور ) ولم يجب ، حارت بأمرها فلم ترى إلا أن تتصل بأهلها ... .
_
أأألووو علللي إلحقني ... .
تروع علي واحمر وجهه .
_
ريم ، ريم ويش فيش ، إنت تعبانه ، طيب جاي ، جاي .
اقتحم الشوارع المؤدية لشقتها وفتح الباب فجأة رآها مسجاة على الأرض وابنتها تبكي بصوت أشبه باستغاثة ... .
رفع يدها بدمع كجمر ... .
_
ريم اجلسي أنا علي ، كلميني أرجوش ... .
أنة من الأعماق تنبأ بالآهات النارية وهي تخترق جسداً مخملي .
_
علي ، علي بموت وديني المستشفى ، ابي امس ، ابي ابوي .
_
طيب قومي معاي ، اشوي اشوي .
أجلسها في المقعد الخلفي من السيارة وانطلق كالريح ، كلما قالت ريم : آه ، زاد من سرعته ، إنها ريم التي كانت بلسم لجراحه ، روحها سكن نضع رؤوسنا بشرفته عندما تؤرقنا الحياة بمشاكلها ، آه يا ريم لم ينصفك القدر ، وضعك بين أسرة بعيدة عن المشاعر كبعد الشيطان من الجنة .
هرع كل من الممرضات لإسعافها وجلس هو على الأريكة وبحضنه أريج يداعبها ويبكي .
وصلت مثقلة بالحزن مترادفة مع زوجها الذي تصارعه المآسي خوفاً على ابنته التي تتقاذفها الأمواج المنسوجة من الفولاذ .
لحظات هي حتى بزغت الممرضة وعلى محياها خيوط من الشمس بازغة كدقائق الفجر المتيم بأنفاس العاشقين .
وقع كان هو الخبر معجون بالألم والفرح فقد رزقت فلذت كبدهم ولداً ، تسارعت الخطوات متوجهة إلى مرتعها تعانقها القبلات .
ارتعاش العينين تحديقاً في الحاضرين كأنها تبحث عن شيء ما .
تدحرجت تلك الأيام في المستشفى إلا أنه لم يحضر ليرى ابنه ، أمسكه والده بعصاً جمرية اللحظة يوم عرض عليه مبلغاً من المال لا يحلم به ليتركها ... .
خطواتها لا تكاد تحملها بينما هي تفتح الباب لتدخل لحجرتها التي فارقتها منذ تزوجت ، هرولت بمخيلتها الذكريات البريئة المفعمة بالحنان في كنف أسرتها وبين أحضان أمها ودعابة والدها .
استلقت على فراشها منهكة الجسد تتمتم بآهات تناجي حبيبها اللاحبيب .
ذهب والدها إلى شيخ القرية المعروف بطيبته وحنانه على أهل القرية ليتدخل في الموضوع ويمنع الطلاب بما يملكه من إيمان وحكمة
حقاً من اتخذ من الحكمة لجاماً ، اتخذه الناس إماما ... .
توجه الشيخ مع نخبة من أهل الخير إليه .
استقبلهم ببرود له ألف مبرر ومبرر ، خاطبه الشيخ بكل ماله من أشياء جميلة إلا أنه رفض بكل قسوة وعناد .
خرج الحضور بينما الزوج قابع في مكانه لا حراك جسدي ولا حراك معنوي يخبر عن كائن بشري حي ،أجل إن المرأة مثل الزهرة ...إذا قلعت من مكانها تتوقف عن الحياة . وليم شكسبير .
رجع والده بعد أن ودعهم ليرمقه بابتسامة خبيثة كنشوة انتصار مزيف لا مرآة لهوصدق الشعر ذات حكمة حيث قال :
قوم إذا صفع النعال وجوههم نادى النعال أين مني المهرب
اتصل الشيخ إلى والدها الذي ينصهر ارتقاباً وسط بوارق من الأدعية راجياً من الله سبحانه وتعالى أن يفرج بلطفه على ابنته المثكولة .
ذبذبات دموعها البكائية لا تجافي مسمعه بين الفينة والفينة .
انهارت أعصابه مما سمعه من الشيخ مستعيناً على ذلك بالتمسك بالعلي القدير متعوذاً من الشيطان الرجيم .
برقت عذابات رمش لم ترحمه الأيام من وجع الخبر ، يا ترى كيف يخبرها بنبأ طلاقها ... .
جالست كانت وبين خيوط الرمل كان طفلها ، ترضعه ، تمرر أصابعها المرتجفة وسط شعره المنساب كفراشة من حرير ...
تقدم نحوها والعبرات تختنق في كل جسده ، كيف يخبرها بخبر طلاقها ، تراجع قليلاً بعدما أحست عليه ، رفعت رأسها ورمقته بابتسامة قرمزية الخجل .
شد من عزمه وتقدم واضعاً يده الحنونة بعد أن استقر به المكان ، ذرف من الدمع الشيء الكثير وفجأة : صرخ الرضيع حينما سقط حيث أن أمه قد فارقت روحها الحياة .
سقط على ابنته يعانقها وهو ينادي على أمها بأعلى صوته وهو يخبرهم بوفاتها ، حضرت وانهارت على ابنتها باكية ، كل هذا والرضيع مازال يصرخ .